خطب الجمعة لعام 1431هـ

أضف رد جديد

كاتب الموضوع
صالح بن فوزان الفوزان [آلي]
مشاركات: 1244
اشترك في: جمادى الآخرة 1437

خطب الجمعة لعام 1431هـ

مشاركة بواسطة صالح بن فوزان الفوزان [آلي] »

فضائل شهر رمضان




الخطبة الأولى
الحمد لله ذي الفضل والإنعام، فضل شهر رمضان على غيره من شهور العام، خصه بمزيد من الفضل والكرم والإنعام، وأشهدٌ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، في ربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ)، وأشهدٌ أن محمداً عبدُه ورسوله أفضل من صلى وصام، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه البررة الكرام، وسلم تسليماً كثيرا   أما بعد:
أيُّها الناس، اتقوا الله تعالى، واشكروه إذ بلغكم شهر رمضان، وسلوه أن يعينكم في هذا الشهر على اغتنام أوقاته بالطاعات والخيرات، فإنه موسم عظيم ووافد كريم فضله الله سبحانه وتعالى فقال:(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) فهذا الشهر خير كله أيامه ولياليه ساعاته وأوقاته، ولكن الشأن فينا نحن بماذا نستقبل هذا الشهر؟ وبماذا نقضي أوقاته المباركة؟ فالشهر شهر عظيم، ولكن المشكلة عندنا نحن في أنفسنا، فلنعرف قدر هذا الشهر ولنستقبله بالبشر والسرور قد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بقدومه قال:"أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك، جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعا"، وذكر له فضائل كثيرة:
فأول فضائل هذا الشهر: أن الله أنزل فيه القرآن أي ابتدأ إنزال القرآن في هذا الشهر وذلك في ليلة القدر كما قال جل وعلا:(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)،(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ) فابتدأ بإنزال القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان ثم تتابع نزوله على النبي صلى الله عليه وسلم مفرقاً حسب الوقائع والنوازل إلى أن أكمله الله عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حينما أنزل الله عليه قوله:(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً)، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يخص هذا الشهر بتلاوة القرآن أكثر من غيره، وكان صحابته والمسلمون من بعدهم يقبلون على تلاوة القرآن في هذا الشهر العظيم، فهو شهر القرآن، وهو شهر الصيام، فالله جل وعلا جعل صيامه فريضةً وركناً من أركان الإسلام (مَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)، النبي صلى الله عليه وسلم جعل صيام رمضان من أركان الإسلام الخمسة قال صلى الله عليه وسلم:"بني الإسلام على خمسة أركان:شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، حج بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلا"، فيجب على كل مسلم مقيم أن يصوم هذا الشهر من أوله إلى آخره أداءً في وقته، أما من كان معذوراً بسفر أو بمرض فإنه يفطر أيام سفره وأيام مرضه على أن يقضي ما أفطره من أيام آخر، والنبي صلى الله عليه وسلم شرع لنا وسن لنا قيام ليله قال صلى الله عليه وسلم:"من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" وقال صلى الله عليه وسلم:"من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"، وقد جاء من يفسر قيام رمضان بقوله صلى الله عليه وسلم:"من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة"، فقيام رمضان فيه فضل عظيم، يكفر الله به الذنوب، من قام رمضان إيمانا واحتسابا، إيماناً وتصديقاً به وبفضله واحتساب لأجره فإن الله يغفر له ما تقدم من ذنبه وذلك بالذنوب الصغائر، أما الذنوب الكبائر فإنها لا تكفر إلا بالتوبة (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ)، قال صلى الله عليه وسلم:"الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر"، وأصحاب الكبائر متى تابوا إلى الله قبل الله توبتهم وغفر ذنوبهم (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً)، ولكن في شهر رمضان تتأكد التوبة والاستغفار على كل مسلم أن يحاسب نفسه وينظر في أعماله ليدخل في هذه الشهر وقد طهر نفسه من الذنوب حتى يدخل فيه بنفسي نقية حتى يتفرغ لعبادة الله سبحانه وتعالى.
ومن فضائل هذا الشهر: أنه تفتح فيه أبواب الجنان، وذلك بتيسير الأعمال الصالحة وتسيلها على أهل الإيمان، لأن الجنة إنما تحصل بالأعمال الصالحة بسبب الأعمال الصالحة، فالله يفتح أبواب الجنان لأجل أن يتسابق المسلمون إليها بالأعمال الصالحة، وهي في هذا الشهر موفرة وميسرة لمن يسره الله له، وتغلق فيه أبواب النيران وذلك بأن المسلمين يتوبون إلى الله ويستغفرونه فينجون من النار، لأن الأعمال السيئة سبب لدخول النار، فالله جلَّ وعلا يغلقها عنهم في هذا الشهر بمعنى أنه يسر لعباده التوبة والاستغفار وترك الذنوب والمعاصي حتى ينجو من هذه النار، وهذا الشهر يغلو في الشيطان فلا يتمكن من إشغال المسلمين عن دينهم، كما كان يفعل ذلك في غير رمضان، في رمضان الله جلَّ وعلا يمنعه عن عباده المؤمنين لا يوسوس لهم، ولا يشغلهم، ولا يصدهم عن الأعمال الصالحة، ولهذا تجد المسلمون ينشطون في هذا الشهر ويقبلون على الأعمال الصالحة أكثر من غيره عن رغبة وطواعية لأن الشيطان لا يتمكن من إشغالهم وصدهم عن الأعمال الصالحة وهذا شيء مشاهد، فإن إقبال الناس على العبادة في هذا الشهر دليل على أن الشيطان قد منع من أن يحول بينهم وبين الطاعات لكنه يسلط على أولياءه، فالله جل وعلا منع حزبه وجنده من أن يتسلط عليهم الشيطان قال:(قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ)، فعباد الله المخلصون ليس للشيطان عليهم سبيل لاسيما في رمضان، أما جنده وحزبه فإنه مسلط عليهم في كل وقت ويزداد شره في هذا الشهر كما قال سبحانه وتعالى:( وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَولادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً* إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً)، ولذلك تجد أهل الشر يعدون العدة لهذا الشهر ويخططون البرامج الهابطة والمسلسلات المضحكة، وأنواع من اللهو واللعب، ينوعنه في هذا الشهر من أجل أن يصدوا الناس عن الطاعة ويشغلوهم باللهو واللعب والمعاصي تيسرت لهم السبل في الإذاعات والمحطات والانترنت وغير ذلك، أكثر ممن سبق وهذا خطر عظيم، يجب على المسلم أن يحفظ نفسه وأن يحفظ أهل بيته وأن يطهر بيته من هذه الوسائل الشريرة وهذه البرامج الهابطة وحتى متابعة الإذاعات ومتابعة الفضائيات حتى ولو كانت فيها خير فإنها تشغل عن الذهاب إلى المساجد ومشاركة المسلمين في الصلوات النوافل والفرائض وتلاوة القرآن، فتجدهم يتابعون هذه البرامج في أوقاتها وربما يتأخرون عن صلاة الجماعة متابعة لها، فالمسلم يغلق هذه الأبواب يغلقها دائما وفي شهر رمضان آكد ولا يشغل نفسه ولا يشغل أهل بيته ويشغل زواره بهذه البرامج التي أقل أحوالها إن كان فيها خير أنها تشغل عما هو أهم منها فكيف إذا كانت كلها شر وكلها دسائس شيطانية، فعليكم أن تتنبهوا فإن أعوان الشيطان وجند الشيطان يتسلطون في هذا الشهر وينعون البرامج من أجل أن يجذبوا الناس إليها ويشغلوهم بها عن دينهم ودنياهم وعن آخرتهم وعن شهرهم فلنتقي الله، ولنحذر من هذه الشواغل وهذه الأمور حتى أمور الدنيا حتى طلب الرزق الذي لا يحتاجه الإنسان طلب للتجارة، ينبغي للمسلم أن يخفف أن يخفه في هذا الشهر وأن يصرف جولا وقته في طاعة الله سبحانه وطلب الدنيا له وقت آخر وهذا الوقت يفوت، وأما طلب المال والكسب فهذا لا يفوت، فعلى المسلم أن يتنبه لذلك، كذلك هؤلاء يشغلون المسلمين بالمسابقات وما أدرك ما المسابقات يجعلون فيها دراهم والدراهم تجذب القلوب فتجدهم يتابعون هذه المسابقات ويشغلون أوقاتهم فيها ربما يحصل على شيء من الدراهم وربما لا يحصل على شيء، ولو حصل على ملايين من الجوائز فإنها لا تعادل حسنة واحدة في هذا الشهر المبارك، فعلى المسلم أن يتسابق في الخيرات، وأن يسابق إلى الجنات ويسارع إلى الطاعات، وأن يترك هذه الأمور ولا يشغل نفسه بها أو يشغل أولاده أو أهل بيته بها فإنها صوارف إنها ضياع للوقت والعمر إنها ضياع لهذا الشهر العظيم.
فلنتقي الله، أيها المسلمون، هذا الشهر شهر عظيم كله، خير كله بركة نهاره صيام وليله قيام وذكر لله سبحانه وتعالى، فالمسلم إما أن يشغل وقته دائما في الفرائض والنوافل والطاعات أو يستريح بالنوم لينشط على العبادة، والنوم الذي بمقدار، أما الذي ينام يسهر الليل على القيل والقال والأكل والشرب والملذات ثم ينام النهار كله ويقول أنا صائم هذا من العجائب صائم يترك الصلوات يترك الفرائض لا يصلي مع الجماعة لا يتجه إلى المساجد هذا صائم، الصيام ليس عن الأكل والشرب فقط، الصيام إنما هو إمساك عن كل ما حرم الله سبحانه وتعالى، ومن أعظم ذلك إضاعة الفرائض في أوقاتها، فعلى المسلمين أن يتنبهوا لهذا الأمر، فشهر رمضان ليس شهر للكسل والأكل والشرب إنما هو شهر للطاعة والجد والاجتهاد للقول العمل ولا مانع أن يأخذ الإنسان قسطاً من الراحة لا يفوت عليه خيراً، لا يفوت عليه صلاة الجماعة، لا يفوت عليه المشاركة في الخير، بل يجمع بين ما يريح جسمه وما يحي قلبه وروحه وفكره بذكر الله سبحانه وتعالى هذه فرصة، والفرص لا تدوم، وشهر رمضان ربما لا يتكرر عليك مرة ثانية فيكون هذا الشهر ختاماً لحياتك بل تختمها بخير ختام، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من البيان والذكر الحكيم، أقولٌ قول هذا واستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنَّه هو الغفور الرحيم.
 
الخطبة الثانية
الحمد لله على فضله، وإحسانه، وأشكره على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليماً كثيرًا،    أما بعد:    
أيُّها الناس، ينادي منادينا كل ليلة من ليالي شهر رمضان يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر ولله عتقاء من النار وذلك في كل ليلة، يا باغي الخير أقبل هل أحد لا يريد الخير؟ كلنا يريد الخير كل الناس يريدون الخير، لكن الشأن لا يقتصر على الإرادة لابد من العمل، فإذا أردت الخير فعمل (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً)، فإذا أردت الخير فعمل، اعمل الخير ولا يكفي الإرادة فإن في الحديث:"العاجز من اتبع نفسه هواها وتمن على الله الأماني، فالأماني لا تنفع ولإرادة وحدها من دون عمل لا تنفع يا باغي الخير أقبل أقبل على الله بالطاعات أقبل على الله بالقوربات، وأول ذلك المحافظة على الفرائض في أوقاتها ثم بقية الأعمال بادر بها نوعها اشتغل بها فإنك بحاجة إليها عما قريب والله عما قريب ستحتاج إلى الحسنة الواحدة حينما يحضرك الأجل ويختم العمل وتتمنى الرجوع لعمل صالحاً فلا تمكن من ذلك، فأنت الآن في زمن الطلب وفي زمن الأمنية وقد أهلَّ الله عليك هذا الشهر فبادره بالطاعات والقروبات يا باغي الخير أقبل، أقبل على الله وأعرض عما سواه، أقبل على الله بالطاعات والقروبات والصدقات وفعل الخيرات، أقبل بكل أنواع الإقبال على الله فإن الله مقبل عليك سبحانه وتعالى ويتقبل منك القليل والكثير ويضاعف لك القليل أضعاف كثيرة(إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً)، فأقبل على الله بكل أنواع الإقبال فإن الله مقبل عليك ما دمت مقبل عليه، أما إذا أعرضت عن الله فإن الله جلَّ وعلا يعرض عنك فهو غنيٌ عنك وأنت الفقير المحتاج إليه، ويا باغي الشر أقصر، يا من يريد إضلال الناس وإغواء الناس وإفساد الناس، يا من يريد إشغال الناس بالملاهي والمعازف والمزامير، يا من يريد إشغال الناس بالتمثيليات والخزعبلات، يا من يريد إشغال الناس بالمضحكات والملهيات أقصر، أقصر أخسر أخسا عدو الله فإنك مهزوم وإنك مغبون وإنك مطرود فعليك أن تعرف قدر نفسك ولا تشغل المسلمين، يا باغي الشر أقصر، أقصر عن الشر فإن لم تقصر فستقصر بأمر الله سبحانه وتعالى وستخصر يوم لا ينفعك الندم.
فتقوا الله، عباد الله، وبادروا بالخيرات ما دامت ممكنةً لكم وميسرةً لكم فإن الفرص لا تدوم وإن الحياة زائلة وإن العمل باقي على خيره أو وشره.
واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هديِّ محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكلٌ بدعة ضلالة.
وعليكم بالجماعة، فإن يدا الله على الجماعة ومن شذَّ شذَّ في النار ثم اعلموا أن الله أمركم بأمر عظيم فقال سبحانه وتعالى (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم على عبدِك ورسولِك نبينا محمَّد، وارضَ اللَّهُمَّ عن خُلفائِه الراشدين،الأئمة المهديين، أبي بكر، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعَن الصحابة أجمعين، وعن التابِعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين.
اللَّهُمَّ أعز الإسلام والمسلمين، اللَّهُمَّ أعز الإسلام والمسلمين، اللَّهُمَّ أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين، اللَّهُمَّ بارك لنا في شهر رمضان، اللَّهُمَّ أرزقنا فيه القوة والاحتساب العمل الصالح، اللَّهُمَّ أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللَّهُمَّ ارزقنا من فضائله ومغانمه ما يسرته لنا، اللَّهُمَّ أعنا على صيامه وقيامه وحفظ أيامه من الخلل والضياع، (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)، اللَّهُمَّ أصلح ولاة أمورنا واجعلهم هداة مهدين غير ضالين ولا مضلين، اللَّهُمَّ أصلح بطانتهم وأبعد عنهم بطانة السوء والمفسدين يا رب العالمين.
عبادَ الله، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)،(وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)، فاذكروا اللهَ يذكُرْكم، واشكُروه على نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبر، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.                

المادة الصوتية:

تحميل


رابط المادة الأصلية:
http://alfawzan.af.org.sa/node/12980


كاتب الموضوع
صالح بن فوزان الفوزان [آلي]
مشاركات: 1244
اشترك في: جمادى الآخرة 1437

نعمة المطر وكيفية تكونه

مشاركة بواسطة صالح بن فوزان الفوزان [آلي] »

نعمة المطر وكيفية تكونه





نعمة المطر وكيفية تكونه ونزوله إلى الأرض
الخطبة الأولى
الحمد لله على فضله وإحسانه،أحمده وأشكره وستعينه وستغفره، وأشهدٌ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،في ربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته،وأشهدٌ أن محمداً عبده ورسوله،صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليماً كثيرا،   أما بعد:
أيُّها الناس، اتقوا الله تعالى، واشكروه على نعمه وإحسانه فإن نعمه لا تزال تتجدد عليكم فأحدثوا لكل نعمة شكرا، بالأمس كنتم مجذبين قد أنحبس عليكم المطر، وطال انتظاركم، واليوم والحمد لله فرج الله شدتكم، وأزال كربتكم، وأنزل عليكم المطر، فشكروه على هذه النعمة وحمدوه واستعينوا به واستغفروه في الحديث:قال عجب ربنا من قنوط عباده، وقرب غيره أو خيره منهم ينظر إليكم أزليين قانتين فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب، ففي هذه الأيام منَّ الله على المسلمين على عباده عموماً وعلى مخلوقاته التي تحتاج إلى المطر فأنزل هذا المطر وعممه عليكم، فشكروا الله وحمدوه على هذه النعمة، إن في إنزال هذا المطر آيات وعبر، فالله سبحانه وتعالى يرسل الرياح فتثير السحاب(اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ)، ويرسل رياح تلقحه بالماء(وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ )تلقحه بالماء في الجو، ثم يرسل رياح تحمله وتسوقه حيث أمر الله سبحانه، ثم يأمر الله هذا السحاب فيفرغ ما فيه من الماء وينزله بقدر معلوم، ففي إنزاله في أرض دون أرض، وعلى قوم دون قوم حكمة عظيمة، وفي كيفية إنزاله أنه ينزل قطرات متوازنة(وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) في ذلك عبرة عظيمة فلم يصبه الله صباً على الأرض بل ينزله على شكل قطرات متفرقة ليعم الأرض التي أمر الله أن ينزل عليها، وجعله مباركاً، وجعله طهوراً(وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً)،(وَنَزَّلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً) فالله جلَّ وعلا جعله مباركاً طهوراً، وجعل فيه غذاءً ينبت النبات، ويروي العطاش، وهذا من رحمته سبحانه (أَفَرَأَيْتُمْ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ* أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنْ الْمُزْنِ أي: من السحاب أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ* لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ)، لو شاء الله لجعله مالحاً زوعاقاً لا يشرب ولا ينتب نباتاً، ولكن الله جعل فيه هذه الصفات العظيمة ينبت به النبات والمراعي والزر وع، ويخزنه في الأرض لحاجة الناس، يخزنه في الأرض ويجعله ينابيع لحاجة الناس إليه في المستقبل، كل ذلك من رحمته سبحانه وحكمته وعظيم قدرته سبحانه وتعالى، فلنتفكر في حبسه عن من يشاء، ونتفكر في إنزاله على من يشاء، وتتفكر في كيفية نشوؤه، ومسيره بين السماء والأرض إلى حيث أمره الله سبحانه وتعالى فيحبسه عن أرض، وينزله على أرض أخرى، حسب أمره ومشيئته ورحمته سبحانه وتعالى(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) فلنتفكر في هذا، لنستدل به على عظيم قدرة الله، وعلى عظيم رحمته سبحانه وتعالى بعباده، وننسب هذا المطر إليه لا إلى غيره من النجوم ولا المناخات ولا إلى الانخفاضات الجوية كما يقوله الجهال أو من ليس عنده إيمان، ننسب هذا إلى الله جلَّ وعلا ونشكره عليه وأنه لا أحد يقدر على إنزال هذا المطر ويبارك فيه إلا هو سبحانه وتعالى قال الله سبحانه(أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ*يعني القرآن وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)أي تنسبون المطر إلى غيره، صلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الفجر على إثر سماء كانت من الليل أي على أثر مطر نزل بالليل فلم أنصرف صلى الله عليه وسلم من الصلاة، قال:"أتدرون ماذا قال ربكم، قالوا:الله ورسوله أعلم، قال:ربكم أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل الله وبرحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنوي كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب".
فنتقي الله، ولنشكره على هذه النعمة، لنتفكر فيها على عظيم قدرة الله سبحانه وتعالى(هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ رِزْقاً وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ)،(وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ)، (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ رِزْقاً وهو المطر وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ)،(وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ)، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من البيان والذكر الحكيم، أقولٌ قول هذا واستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنَّه هو الغفور الرحيم.
 
الخطبة الثانية
(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ* مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مخلصين له الدين،وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الصادق الأمين،صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين،سلَّم تسليماً كثيرًا إلى يوم الدين،    أما بعد:
أيَّها النَّاس، اتقوا الله تعالى، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقبل السحاب يتغير لونه عليه الصَّلاة والسَّلام ويقبل ويدبر، يدخل ويخرج، يخشى أن يكون عذاباً كما جعله الله عذاباً على قوم عاد، فإذا أمطرت السماء سوريَّ عنه صلى الله عليه وسلم وفرح بذلك، وكان صلى الله عليه وسلم إذا نزل المطر يقول:"مطرنا بفضل الله وبرحمته، اللهم صيب نافعا"، وكان صلى الله عليه وسلم إذا كثرت الأمطار، وخيفا منه الضرر، يدعوا ربه فيقول:"اللهم حولينا ولا علينا، اللهم على الظراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر"، هكذا كان هديه صلى الله عليه وسلم فلنقتد به في ذلك، ونعتبر ولنتعظ وليكن عندنا خوفٌ من الله سبحانه وتعالى إذا أقبل السحاب فندعو الله أن يجعله رحمة وأن لا يجعله عذاباً هكذا يجب على المسلم عند نعمة نزول المطر، وعند غير ذلك من النعم، بعض الناس إذا نزل المطر وسارت الأودية يخرجون إلى البراري، ويحصل منهم مفاسد، ويحصل منهم لهو ولعب وهذا أمر لا يليق، ما بهذا تقابل النعمة، وإنما بشكر الله سبحانه وتعالى، لا مانع أن الناس يخرجون إلى المطر وإلى الأودية، ويشكرون الله سبحانه وتعالى، ويرفهون عن أنفسهم، لكن أن يجعلوا ذلك فرصةً للغفلة واللهو واللعب وإظهار المعاصي، وقد يكون أشدَّ من ذلك تضيع الصلاة فهذا أمر منكر، هذا كفرٌ للنعمة(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ).
فتقوا الله، عباد الله، واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هديِّ محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.
وعليكم بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة ومن شذَّ شذَّ في النار(إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم على عبدِك ورسولِك نبينا محمَّد، وارضَ اللَّهُمَّ عن خُلفائِه الراشدين، الأئمة المهديين، أبي بكر، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعَن الصحابة أجمعين، وعن التابِعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين.
اللَّهُمَّ أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، وجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين عامةً يا رب العالمين، اللَّهُمَّ ولي علينا خيارنا، وكفينا شر شرارنا، ولا تؤاخذنا بما فعله السفهاء منا، اللَّهُمَّ أجعل وليتنا فيما خافك واتقاك وتبع رضا يا رب العالمين، اللَّهُمَّ ولي على المسلمين خيارهم في كل مكان يا ب العالمين، وكفهم شر شرارهم،(رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
عبادَ الله، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)،(وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)، فاذكروا اللهَ يذكُرْكم، واشكُروه على نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبر، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.

خطبة الجمعة 23-05-1431هـ


المادة الصوتية:

تحميل


رابط المادة الأصلية:
http://alfawzan.af.org.sa/node/3974

أضف رد جديد