مقتطف من كلمة استثمار الوقت لابنة الشيخ مقبل رحمه الله

أضف رد جديد

كاتب الموضوع
أم عبدالله الوادعية [آلي]
مشاركات: 1334
اشترك في: جمادى الآخرة 1437

مقتطف من كلمة استثمار الوقت لابنة الشيخ مقبل رحمه الله

مشاركة بواسطة أم عبدالله الوادعية [آلي] »

مقتطف من كلمة استثمار الوقت لابنة الشيخ مقبل رحمه الله

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

لماذا
سُمِّي يوم القيامة يوم التلاق؟

 

قال الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15)﴾
[غافر: 15].

 سُمِّي يوم القيامة يوم التلاق؛ لأن الناس
يتلاقون هناك؛ إذ هو يومٌ يجمع الله فيه الأولين والآخرين، ثم المقر الجنة أو
النار والعياذ بالله.

 

استقصار المفرطين في دينهم أعمارهم
يوم القيامة والسبب في ذلك

قال سبحانه: ﴿ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ
يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (104)﴾[طه:104].


 قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿ قَالَ كَمْ
لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ
بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا
قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا
خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)﴾ [المؤمنون].

 جزء يوم، مع أن أحدهم قد تعمَّر الثمانين
السبعين، الستين، ولا اعتبرها إلا يومًا واحدًا أو بعض يوم.

 وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ
عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43)
إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (44) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (45)
كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا
(46) ﴾ [النازعات].

العشية: آخر
اليوم، والضحى: أول اليوم.

 وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ
السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا
يُؤْفَكُونَ (55) ﴾[الروم].

 والساعة عند العرب: عبارة عن زمن مجهول المقدار،
ليست الساعة المتعارف عندنا بالدقائق، عبارة عن ستين دقيقة.

 وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿ وَيَوْمَ
يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ
يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ
وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (45) ﴾[يونس]، إلى غير ذلك من الآيات التي ذكرها الله
سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عن المفرطين في دينهم، وطاعة ربهم، والمفرطين في الخير،
أنهم يعترفون ويتحسرون، وكأنهم ما بقوا إلا لحظات يسيرة.

 

قال الحافظ ابن كثير رَحِمَهُ
الله  في «تفسيره»(4/626 ): الدُّنْيَا
كُلُّهَا وَإِنْ تَكَرَّرَتْ أَوْقَاتُهَا وَتَعَاقَبَتْ لَيَالِيهَا وأيامها
وساعاتها، كأنها يوم واحد؛ ولهذا يستقصر الكافرون مُدَّةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَكَانَ غَرَضُهُمْ فِي ذَلِكَ دَرْءَ قِيَامِ الْحُجَّةِ
عَلَيْهِمْ؛ لِقِصَرِ الْمُدَّةِ.


 

              
الدار التي
نعيش فيها ليست دار حياة

 هذه
الدار الدنيا التي يظنها كثير من الناس أنها المستقبل، وأنها السعادة والأصل،
وأنها التجارة الرابحة.

 هذه
الدار الدنيا التي لم يَعلم حقيقتها كثير من الناس، فتعلقت القلوب بها حتى جاءهم
الموت و﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ(72)[الحجر].

يقول ربنا سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في كتابه
الكريم: ﴿ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ
وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24)
فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ
(26)﴾ [الفجر].

 لم
يعتبر الحياة الأولى شيئًا.

وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَمَا هَذِهِ
الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ
الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64)﴾ [العنكبوت: 64].

فربنا سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يحذر من الاغترار
بهذه الحياة الدنيا، ويبين أن الحياة الحقيقية هي الحياة الأخروية، فلو أن القلوب
تفقه ما آثرتِ الحياة الدنيا على الحياة الأخرى.

 

             
القلب
الفارغ يتخطفه الشيطان

 

قال والدي الشيخ مقبل رَحِمَهُ اللهُ كما في ش « الأمان من مكايد الشيطان»[color=text1]:[/color]ينبغي لنا أن نحرص كل الحرص على شغل أنفسنا بالعبادة؛ فإن
العبادة تقوي القلب، لكن القلب الفارغ الشيطان يتخطَّفُه.
اهـ.

 العبادة تشغل القلب، وتملؤه بالحيوية، العبادة
ثبات وتثبيت للقلوب، بخلاف القلب الفارغ فإنه يتخطفه الشيطان.

 فمن
السبل التي يجد الشيطان فرصة فيها على ابن آدم، أن يكون القلب فارغًا مما ينفعه،
فارغًا من مصالحه ومنافعه، غير مشغول بالعبادة والذكر والخير، فيتسلط عليه
الشيطان، وتأتيه الوساوس، والتفكيرات، والانشغالات المدمرات، لماذا؟

 لأنه
تسلط عليه الشيطان، قلبه فارغ، قلبه مشغول بالناس وعيوبهم وأحوالهم، وما أحسن ما
قيل:

مراتبُ المجدِ لا يرقى لها أبدًا... من همّهُ
الناسُ ما قالوا وما فعلوا

وأجمل الناس أعمى عن مساوئهم... وقلبهُ الحُرُّ
بالعلياءِ منشغلُ

فاشغلي قلبك بالخير والذكر، قوي قلبك بالإيمان،
واجعليه مأوى البِرِّ والطاعات، وتعظيم الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

 فما
أحسن هذا التحذير: القلب الفارغ يتخطفه الشيطان!

فلا تجعلي للشيطان عليك سبيلًا، اشغلي وقتك
بالخير، افتحي المصحف، اقرئي القرآن، احفظي، راجعي، اجعلي لكِ ولو درسًا واحدًا في
اليوم، صلي، اذكري الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

 لا
تبقي فارغةً بحال من الأحوال، فيتشتت ذهنُكِ، ويثقل رأسُك، وتتعب نفسيتُكِ، ويتسلط
الشيطان عليك، ويجلب لك هُمومًا وغمومًا أنتِ في غِنًى عنها، فاستعيني بالله.

وقد ذكرتُ لوالدي الشيخ مقبل رحمه الله امرأةً عاميَّةً تعمل وتتعب في
المزارع، فقال: أحسن لا تكون لا دنيا ولا دين!


 أيها
الأخوات نحن نتعلم العلم؛ لنستفيد، ونتبصَّر بنور العلم، ونعرف الضار من النافع،
والخير من الشر، وإلا ما انتفعنا به.

 

                           من أوصاف الدنيا

قال الإمام
النووي رَحِمَهُ اللهُ في وصف هذه الدار الدنيا كما في مقدمة كتابه رياض الصالحين:
فَإِنَّهَا دَارُ نَفَادٍ لا مَحَلُّ إخْلادٍ، وَمَرْكَبُ عُبُورٍ لا مَنْزِلُ
حُبُورٍ، ومَشْرَعُ انْفصَامٍ لا مَوْطِنُ دَوَامٍ.

 

تعليق مختصر على
كلام النووي:

يعني: دار
الدنيا ليست دار بقاء، فهي فقط عبارة عن جسر نركب عليه، فلا نتخذها وطنًا ودار
استقرار، ولا نَحْلَمُ فيها بنعيم وسرور باستمرار.

(ومَشْرَعُ انْفصَامٍ) أي: فراق، فلا بد في
الدنيا من فراق، قد يكون هذا الفراق مؤقتًا، يسافر مثلًا، البنت تتزوج، الصديق
يفارق صديقه، ولكنه مؤقت، وقد يكون هذا الفراق مؤبَّدًا، وهذا
يكون بالموت.

 

                     الاشتغال بالوقت الحاضر

 

إن بعض النساء يشغلها تذكار الماضي، من أحزانٍ
ومتاعب، ومرحلة الطفولة والعزوبة وكذا وكذا..، فيشغلها هذا في نفسِها، ويضيع
وقتها، ولقاءاتها ومجالسها.

ودَعِ
الـذِّكـرَى لِأَيَّـامِ الصِّبَـا ... فَـلِأَيَّـامِ الصِّبَـا نَجْـمٌ أفَـلْ

وبعض النساء تشغل بالها في الأمور المستقبلة،
عندك زمن ماض، وعندك حاضر، وعندك مستقبل.

  عندك
ماضي، ويقال: الماضي لا يُذكر، حتى بينك وبين زوجك، يعني: ما تجلسين تُعددين
الأخطاء والتقصير، وأنتَ فعلتَ، وأنتَ قلتَ، والرجل كذلك؛ فبعض الرجال خُلُقُهُ
أسوأ وأضيق!

الماضي لا يُذكر، فالعفو والصفح والتغاضي،
وخاصًّةً ما دام طيب المعاملة، ويحبُّكِ ويحترمك، أنتِ زوجة له، وهو أبو أولادك،
ومرت حياة قد تكون سنين كثيرة، ﴿ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾[البقرة:
237].

 فغضِّي
الطرف؛ الماضي لا يُذكر، وهكذا بينك وبين أولادك، أو صاحباتك أو جاراتك..، نسأل
الله أن يصلحنا جميعًا، هذا من الأخطاء، والعلم يبصِّر، سبحان ربي العلي العظيم!

أو شغل بالمستقبل، تفكير في المستقبل، هذا
أيضًا من الخطأ؛ هذا شيء مغيَّب.

إن المشغول بالوقت الحاضر يُنجز أعماله، ويُثمر
أوقاته.

 

وهناك مقالة وهي: كن ابنَ يومك، كن ابنَ وقتك،
أي: اشتغل بالحاضر، لا تشتغل بالماضي ولا بالمستقبل.

 إذا
اشتغلتِ بالماضي جلب لك الأحزان، وإذا اشتغلتِ بالزمن المقبِل جلب لك الهموم
والغموم.

وأمورنا يسيِّرها ربنا سُبحَانَهُ وَتَعَالَى
أرحم الراحمين، ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس:
22].

 أنت
ابذلي السبب يا أختي، ولكن لا تجلسي تفكرين، وربما لسنوات تفَكِّر في أيام  مستقبلة مؤلمة، اتركي هذه الوساوس ما فيه فائدة
وراء هذا؛ المكتوب سيأتي لا محالة،  الذي
قدره الله سيأتي ولا بُدَّ، والذي اختاره الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى الخير فيه.

وأحيانًا تجدين الفرَص متاحة لك، تجدين فرصة
مزهرة سعيدة ثم تفوِّتينها، فتبقين تؤنِّبين نفسَك، لماذا فرَّطت وقد كانت متاحةً
لي؟

الله تبارك وتَعَالَى هو الذي صرفك عن هذا، وما
صرفك عنه إلا لأنه ليس فيه خير لك، والمؤمنة تقطع وتحسِم هذه الوسوسةَ بالإيمان
بالقدر.

  روى
الإمام مسلمٌ (2664) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ
مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ،
وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ لَوْ
أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ
فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ».

هذا علاج نبوي لنا؛ أن نقطع وساوس الشيطان
بالإيمان بالقدر، ﴿ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى
اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44)﴾[غافر]. 

 

                           البخل بالوقت

ابخلي بوقتِك، الناس يعرفون البخل بالمال، هناك
ما هو أعزُّ من المال -إي والله- البخل بالوقت، الشح بالوقت من أن يذهب سُدًى،
وهذا لا يشعر به إلا صاحب الإيمان، لا يشعر به إلا الغيور على وقتِهِ، فالوقت
ثمين، يجب أن نشح به أن يضيع في غير فائدة.

 فعلينا
أن نتقيَ الله في أوقاتنا، وأن نستعين بالله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وأن نحذر من
الجليسات اللاتي لا يعرفن قيمة الوقت، الله سُبحَانَهُ يقول: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ
مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ
وَجْهَهُ وَلَا تَعُدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
[الكهف: 28].

 فنسأل
الله أن يرزقنا جميعًا صحبة الأخيار، وأن يجنبنا صحبة الضائعين الأشرار الذين لا
يعرفون قيمة الوقت، النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ
يقول: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ
وَالفَرَاغُ» رواه البخاري (6412) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.

 

 

                  من أعز الأشياء: القلب والوقت

 

قال ابن الجوزي رَحِمَهُ اللهُ في «حفظ العمر»(59): يَنْبَغِي لِلإِنْسَانِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ أَعَزَّ الأَشْيَاءِ
شَيْئَانِ: قَلْبُهُ وَوَقْتُهُ، فَإِذَا أَهْمَلَ وَقْتَهُ وَضَيَّعَ قَلْبَهُ
ذَهَبَتْ مِنْهُ الْفَوَائِدُ.


 فأعز 
الأشياء عليك أمران: قلبك ووقتك!

 اجمعي
قلبك وحافظي على وقتك، فهذا أعز شيءٍ عليك قلبك ووقتك.

 اجعلي
قلبك يحوي الخير، وما ينفعك، اجعليه وعاء طيبًا طاهرًا، وعاءً للإيمان والعقيدة
والعلم ومحبة الله عَزَّ وَجَل.

بعضنا ما تدري أن داخلها قلب تعيش به وتحيا به،
فالقلب يحتاج إلى عناية ومجاهدة في إصلاحه، روى البخاري (52)، ومسلم (1599) من
حديث النعمان بن بشير، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ
قال: «إِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً؛ إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ؛
وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ  الجَسَدُ
كُلُّهُ؛ أَلَا وَهِيَ القَلْبُ».

 اللهم
أصلح سرائرنا!

والشيء الثاني: الوقت، نحرص عليه ما يضيع،
ونكثر من الاستغفار، من التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، وشتى أنواع الذكر؛
لأنه هذا خير كبير، وعون على الخير، هذا يغذِّي القلب، غذي قلبك يا أختي بالخير،
بالقرآن، بذكر الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، غذِّيه الغذاء الروحي.

ولقد وصف الحافظ
ابن كثير الإمامَ النووي رَحِمَهُما اللهُ تَعَالَى بقوله: كان لا يضيع من وقته
شيئًا.

ابن الجوزي في
«صيد الخاطر»( 241) يقول: صرت أدافع اللقاء جهدي: فإذا غُلبت، قصرت في الكلام،
لأتعجل الفراق.

ثم أعددت أعمالًا تمنع من المحادثة لأوقات
لقائهم؛ لئلا يمضي الزمان فارغًا، فجعلت من المستعد للقائهم: قطع الكاغد، وبري
الأقلام، وحزم الدفاتر، فإن هذه الأشياء لا بد منها، ولا تحتاج إلى فكر، وحضور
قلب، فأرصدتها لأوقات زيارتهم؛ لئلا يضيع شيء من وقتي. نسأل الله عز وجل أن يعرفنا
شرف أوقات العمر، وأن يوفقنا لاغتنامه.


بقدر ما يستطيع يدافع ابن الجوزي رَحِمَهُ الله  اللقاء بالناس؛ لأنه يشغله عن العلم، يشغله عن
العبادة والمسابقة.

 وبعض
الناس ثقيل؛ يطيل الزيارة ولا يُقدِّر أوقات الناس وظروفهم، فجعل ابن الجوزي
رَحِمَهُ الله طريقة إذا جاء إليه ناس يستغل فيها هذا اللقاء، وذلك ببري الأقلام
وقطع الكاغد- الكاغد: الأوراق-، يجهزها، ما كانت سبل العلم متيسرة، والأقلام تحتاج
إلى بري، فيتحدث معهم ويجهز الأقلام، فيستغل اللقاء بهذا، وما كانت الأمور متيسرة،
نحن صارت سبل العلم متيسرة، الأجهزة والوسائل، والأوراق والأقلام، ولكن ابتُلي
الناس-إلا من رحم الله- بالفتور، ابتُلوا بضعف الهمة، فذهب الخير من بين أيديهم،
البركة من الله، كانوا يتعبون فجعل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لهم البركة!

 فالوقت
أختي في الله رأس المال، فاعمريه بالخير.

 

                   استغلال وقت
البكور

انظري إلى جويرية أم المؤمنين رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهَا العابدة التقية، قالت: إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ، وَهِيَ فِي
مَسْجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى، وَهِيَ جَالِسَةٌ، فَقَالَ: «مَا
زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟»، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ
النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ
كَلِمَاتٍ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ
لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ
وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِه» رواه مسلم (2726).

والحديث يدل على أن جويرية رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهَا امرأة عابدة، وأن بكور اليوم يستغله النساء الصالحات، وأن النّبِيّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ كان من هديه أن يستغل بكور اليوم.

 وثبت
عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: أَكُنْتَ
تُجَالِسُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: نَعَمْ
كَثِيرًا، «كَانَ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ،
أَوِ الْغَدَاةَ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامَ،
وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ،
فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ» رواه الإمام مسلم (670).

فضياع البكور حرمان وخسارة؛ لأنه وقت بركة،
النّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يقول: «اللَّهُمَّ
بَارِك لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا».

بكور اليوم يبدأ من بعد صلاة الفجر إلى بعد الشروق
إلى الضحى.

قال تَعَالَى: ﴿ وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ
وَالْإِبْكَارِ (41)
[آل عمران].

 قال ابن جرير في «تفسيره»(6م379): وأما الإبكار فإنه مصدر من قول القائل: أبكر فلان
في حاجة، فهو يُبْكِر إبكارًا، وذلك إذا خرج فيها من بين مطلع الفجر إلى وقت
الضُّحى، فذلك إبكار. يقال فيه:  أبكر
فلان، وبكَّر يَبكُر بُكورًا.


 

              
من حجج بعض النساء الواهية

بعض النساء تظن أن لها عذرًا في عدم استغلالها الوقت؛ لوجود الأولاد
والأعمال والمسؤولية، وهذا ليس بعذر، أنت اصدقي مع الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى،
والله سييسر لك الخير ويوفقك، وأكثري من ذكر الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

النساء في عهد النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ
وَسَلَّمَ كن العابدات الصوامات القوَّامات الحريصات على العلم النافع، ومعهن
شواغل، وقد قال النسوة للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ:
غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ،
فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ، فَكَانَ
فِيمَا قَالَ لَهُنَّ: «مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلاَثَةً مِنْ
وَلَدِهَا، إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ»، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنَتَيْنِ؟
فَقَالَ: «وَاثْنَتَيْنِ».

 فالنساء في عهد النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ ذوات هِمَمٍ عالية مع شواغلهن، عندهن الأولاد،
والمسؤلية، ولديهن الأعمال في داخل البيت، وأيضًا عند بعضهِن خارجه، وأعمال البيت
كانت شاقة، الآن المرأة كُفيَتْ كثيرًا من مشاق الحياة، فاطمة رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهَا تعبت من الرحى وهي تطحن الحبوب، تعبت رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وهي ابنة
النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، وسيدة نساء أهل الجنة،
وتخدم وتشتغل.

روى البخاري (3113)، ومسلم (2727) عن عَلِيٍّ،
أَنَّ فَاطِمَةَ اشْتَكَتْ مَا تَلْقَى مِنَ الرَّحَى مِمَّا تَطْحَنُ،
فَبَلَغَهَا أَنَّ رَسُولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ
أُتِيَ بِسَبْيٍ، فَأَتَتْهُ تَسْأَلُهُ خَادِمًا، فَلَمْ تُوَافِقْهُ فَذَكَرَتْ
لِعَائِشَةَ، فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ
فَذَكَرَتْ ذَلِكَ عَائِشَةُ لَهُ، فَأَتَانَا وَقَدْ أخذنا مَضَاجِعَنَا،
فَذَهَبْنَا لِنَقُومَ فَقَالَ: «عَلَى مَكَانِكُمَا» حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ
قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي، فَقَالَ: «أَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا
سَأَلتُمَاهُ؟ إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا فَكَبِّرَا الله أَرْبَعًا
وَثَلَاثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَسَبِّحَا ثَلَاثًا
وَثَلَاثِينَ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمَا مِمَّا سَألتُمَاهُ».

 وهذا
إرشاد للأفضل، وإلَّا الخادم ليس بحرام، مع أن فاطمة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تعبت،
وأرادت من يساعدها، حتى إن الرحى أثَّر في يدها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.

وفيه دليل على أن هذه الأذكار من أذكار النوم(
سبحان الله والحمد لله والله أكبر).

 فهذه
الألفاظ يقولها الذي يريد النوم، وهي قوة بدنية، وقوة إيمانية!

 

انتهى من كلمة استثمار الوقت لابنة الشيخ مقبل
رحمه الله/

1445

 

 

 

 

المصدر
https://alwadei967.blogspot.com/2024/05 ... st_12.html

أضف رد جديد